المستشار ناهض الريس في ذكراه المناضل صاحب الكلمة الهادفة والمشاعر الوطنية الصادقة

    0
    1430

    قبل خمس سنوات، وفي يوم الثلاثاء الموافق 13 إبريل 2010، توفي المستشار ناهض الريس (أبو منير) عن عمرٍ يناهز الـ 73 عاماً، قضاها في النضال وعمل الخير، وترك لنا خلفه من الذكريات والأثر ما يجعل سيرته عطرة بين كل من عرفوه، وعملوا معه في ميادين الفكر والجهاد والمقاومة.

    إن الحديث عن المستشار ناهض الريس (رحمه الله)؛ وزير العدل السابق ونائب رئيس المجلس التشريعي، هو في الحقيقة تناول لشخصية فلسطينية احترمها الجميع، وعمل معها الكثير من الشخصيات الوطنية والقيادية في محطاتها الجهادية، ومن خلال الحكومة والمجلس التشريعي، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني.. إن المستشار ناهض الريس (رحمه الله) الذي شغل عدة مناصب حكومية فكان وزيراً للعدل، وأيضاً كان نائباً لرئيس المجلس التشريعي، وهو يتمتع بسيرة عطرة، وبخصال حسنة وبسجل زاخر من المواقف والأعمال التي ترفع من هامة الرجال وأقدارهم، وقد شهد له الجميع بها خلال سنوات عمره، والتي قضاها مناضلاً داخل الوطن وخارجه، فالرجل (رحمه الله) كانت تجلله سمعته الطيبة، ويده السخيّة بالبذل والعطاء، وقلمه الذي تألق وأبدع في ميدان السياسة والشعر والأدب.

    رجل عرفه الناس على غير ما تعودوا رؤيته – عادة – من أحوال أبناء الذوات والأسر الأرستوقراطية، فهو إنسان بالغ التواضع وصاحب خلقٍ كريم.. كان أبو منير (رحمه الله) يحمل في قلبه مشاعر إنسانية جياشة، وأحاسيس يرقُّ لها دمع العين، كما أن كلماته الطيبة تعمل على جبر الخواطر المكسورة، ورفع الهمم المثقلة بالأزمات، ولها لمساتٌ حانية على أوجاع المستضعفين، وأهل المآسي والجراح من أبناء اللاجئين.

    لقد عرفت المستشار ناهض الريس (رحمه الله) قبل عامين من وفاته، حيث كان اسمه يرد – دائماً – على ألسنة بعض الأخوة والأصدقاء في “جلسات التفاكر والتذاكر” لشخصياتنا الوطنية، وكان اسمه يأتي في سياق أنه أحد الشخصيات الاعتبارية؛ الوطنية والإسلامية، المعروفة بطهارة اليد ونظافة السلوك وجدية العمل في قطاع غزة، والتي لها بصمات لا يغفل عن ذكرها وتذكرها الكثير من الناس.

    فالبرغم من حالة التشويه والاتهام التي طالت شخصياتنا الوطنية، ظل أبو منير واحداً من بين أولئك الذين يمكن أن نقول فيهم: إن طهارته الثورية لم تُمس، وثوبه الوطني ظل ناصع البياض، حيث كان يتمتع بسيرة حسنة ومسيرة حميدة، وبتجربة نضالية لا تشوبها شائبة، وكانت ألسنة الناس تلهج بذكره بكل الخير وفضائل الأعمال.

    عندما عرفته وتعاملت معه عن قرب، قلت لبعض من حولي: في الحقيقة؛ هذا رجل تأخرت كثيراً في التعرّف إليه، وأشعر بالندم أنني لم أبحث عن صحبته والجلوس معه من قبل.  إن المستشار ناهض الريس هو مدرسة في الفكر والأدب، وأخلاقياته تشي بإنسان تربى في بيت جمع بين الأصالة الفلسطينية وعظمة السلوك الإسلامي المتميز.

    لقد أشاد بمناقبه الكثيرون من أهل غزة، وقد ذكره وأثنى عليه د. أحمد بحر؛ النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي، بالقول: “إن الراحل الكبير عاش لوطنه وشعبه وقضيته أكثر مما عاش لنفسه وأسرته، وكله قناعة أن الوطن والقضية لن يعلو شأنها أو يرتفع مجدها إلا عبر مزيد من الفداء والتضحيات الممزوجة بالألم والمعاناة… إن مدرسة ناهض الريس الفكرية والسياسية والقانونية والثقافية والوطنية يجب أن يتم توثيقها ورعايتها في إطار جامع، وذلك بغية الاستفادة منها، وحثّ الأجيال على الاقتداء بها“.

    لقد كان اسم والده منير الريس (رحمه الله) يتردد في سنوات طفولتنا كشخصية وطنية، وأحد رجالات القطاع المعدودين في الخمسينيات والستينيات، ولقد علمنا – لاحقاً – أنه كان أحد الذين عملوا في صفوف طلائع المقاومة الشعبية.. وكان ناهض الريس (رحمه الله) على خطى أبيه وأثره، رائداً في العمل الوطني النضالي؛ (ذريةً بعضها من بعض)، وله مساهمات في تأسيس ورعاية الخلايا الأولى للمقاومة المسلحة (قوات التحرير الشعبية) في قطاع غزة قبل وبعد هزيمة عام 1967م، كما ذكر لي الصديق سعدي أبو حشيش؛ أحد الكوادر العسكرية في حركة فتح، والذي تمَّ اعتقاله في مطلع السبعينيات على خلفية العديد من العمليات التي استهدفت مواقع جيش الاحتلال الإسرائيلي.. وهذا ما أكده كذلك صديقه اللواء مصباح صقر في بعض مقابلاته الصحفية.

    بيت الحكمة: بداية التعارف

    عندما قمنا بتأسيس معهد بيت الحكمة في نهاية عام 2008م، وبدأنا البحث عن شخصية وطنية تتمتع بالنزاهة والاستقلالية والاحترام لترأس مجلس إدارة مؤسسة بيت الحكمة، لم نجد أفضل من المستشار ناهض الريس، فذهبت أنا والنائب سيد أبو مسامح لزيارته في بيته، حيث دار بيننا حديث طويل حول الوطن والأوضاع الفلسطينية المتعثرة، وما المتوجب عمله على مستوى النخبة والجماهير.. لقد أدركت بعد اللقاء أنني أمام رجل يستحق – بجدارة – أن يكون في كل مواقع القيادة والصدارة.. لقد عرضنا عليه – بعد تلك الزيارة – أن يترأس مجلس إدارة بيت الحكمة، وألححنا في الطلب… لم يُخيب الرجل رجاءنا؛ فكان رجلنا الأول في المؤسسة، حيث أفادنا بخبراته القانونية ومعرفته بمجالات العمل العام، فصاغ لوائح المؤسسة، وشارك في وضع السياسات، وبارك ما اقترحناه من المناشط والفعاليات، ووفر علينا الكثير من الجهد والمال والتفكير والآليات.

    شاركنا الرجل في تفاصيل جهود التأسيس، ورعى معظم اللقاءات والأنشطة التي كنّا نقوم بها؛ لم يتأخر ولم يتذمر من حجم الفعاليات التي كنّا ندعوه لها، وأحياناً كان يتعهد بتغطية مصاريف بعض هذه الأنشطة من جيبه الخاص.  لقد تشرفت مؤسسة “معهد بيت الحكمة” بكونه رئيساً لمجلس إدارتها، حيث منح اسمه مصداقية واحتراماً كبيرين لعملنا، ومكَّننا من اجتذاب حضور نفخر به ونعتز لساحة أنشطتنا.

    لقد كانت قيادته للمعهد تتسم بالحكمة والرشد، وكانت أحاديثه واسهاماته الفكرية للشباب محط إعجاب وتقدير، وقد رعى تخريج العديد من الدورات التدريبية، وكانت كلماته ونصائحه الأبوية مصباحاً منيراً، يهدي للحق والرشاد والاستقامة والوفاق.

    زيارة وعشاء في رفح

    دعانا المستشار (أبو منير) أكثر من مرة للغداء في بيته، وقد شاركناه كذلك إفطاراً في رمضان، جمعنا فيه مع عدد من الأصدقاء، حيث كان الحديث يستفيض بيننا في مستجدات الوضع الفلسطيني، ويأخذنا في جولة يصول فيها بتاريخ القضية وصفحاتها المكتنزة بالأحداث والذكريات وسير الرجال.

    ذات يوم، دعوته للعشاء في بيتي بمدينة رفح، وكان طبيعياً أن يشدني الحديث معه إلى بدايات العمر، وذكريات حياتنا كلاجئين في المخيمات، وإلى المعاناة التي مرَّ بها الأهل طوال تلك السنين، التي تنقلنا فيها من مكان إلى آخر حتى استقر بنا المقام في أوائل الثمانينيات بحي تل السلطان.. رحلة تجسد أبعاد التغريبة الفلسطينية، التي لم يسلم من مكابداتها وأحزانها وضراوة مسغبة الفقر وشظف العيش فيها مهاجر فلسطيني.. تحدثت عن قسوة الحياة التي مرَّ بها والدي (رحمه الله) في هذه التغريبة، وعلى هامشها سفري وغربتي الطويلة عن الأهل، بكل ما تعنيه وتكتنزه من أحلام وذكريات ودموع لم يتوقف نزفها، لغيابنا الطويل بعيداً عن ملاعب الطفولة ومدارج الصبا في أحياء المخيم وحواريه.

    كان أخي المستشار(أبو منير) ينصت حيناً، ويُعلِّق حيناً آخر.. وبعد يومين من ذلك اللقاء في بيتنا، كتب المستشار – من وحي ما تحدثنا به أو رويناه – مقالاً في “صحيفة فلسطين” يعبر فيه عن نضالية الفلسطيني وجلده وعطائه، ليصنع حالة وجود كريم ينبثق من وسط رماد المعاناة والتشرد والاغتراب، الأمر الذي أخذ يُذكرني بما قاله الأديب الفرنسي لامارتين: “لا شيء يجعلنا عظماء غير ألمٍ عظيم”، وهذا معناه: إن الذي لا يبكي لا يدرك الحقيقة ولا يعرف الإنجاز.

    لقد زادت محبتي له مع الأيام، ومع كل لقاء جمعني به منفرداً أو بصحبة الآخرين.. لقد طلبت منه أن يكتب لي تقديماً لكتاب “وطن وعيون دامعة: فتح وحماس؛ جدلية التعايش والمواجهة”، ولدراسة أخرى بعنوان “الحركة الإسلامية في تركيا: الاستهداف والتمكين”، وقد أكرمني الرجل بهذين التقديمين، وكان دائماً عند وعده، يفي بكل عهدٍ والتزام قطعه على نفسه.

    التقيته قبل أسبوعين من وفاته؛ أنا والنائب سيد أبو مسامح، وكان المرض قد أحكم الطوق عليه، ولكني رأيته مثابراً لم يستسلم، وكان يعمل بهمة وابتسامة من على سريره، حيث كان يتابع مراحل تشطيب آخر قصة كتبها، بعنوان “البيارة الضائعة”.. لم أشعر منه – برغم الإعياء – بأي امتعاض أو تذمر، بل وجدت رجلاً مؤمناً بقضاء الله وقدره، أدرك أنه لم يبق له من العمر الكثير، وأنه قد أزف الرحيل، فأخذ يهيئ نفسه للقاء وجه ربه الكريم.

    وفي يوم الثلاثاء، موعد الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، جاء من يخبرنا بأن المستشار ناهض الريس تمَّ نقله إلى غرفة الإنعاش بمستشفى الشفاء، فتعاقدنا على الذهاب لزيارته هناك بعد انتهاء الاجتماع.. ولكن، وقبل أن نغادر قاعة المجلس إلى المستشفى، كان الخبر الذي أصابنا جميعاً بالحزن والألم، بأنه قد فارق الحياة. ترحم الجميع عليه، وكانت الجنازة المهيبة في اليوم التالي، حيث شاركت الحكومة، وكل وجهاء غزة، وفصائل العمل الوطني والإسلامي، في وداع الرحل العزيز على قلوبنا جميعاً إلى مثواه الأخير، حيث وسِّد الثرى بمقبرة الشهداء في جباليا.

    ختاماً: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن

    لقد غادرتنا يا أبا منير بعد مشوار نضالي طويل، أشهد لك أنك كنت تقف مخلصاً إلى جانبنا في الحكومة، وكنت تسدي لنا النصح المبين، ولم يبخل قلمك – أيضاً – عن توجيه الانتقاد لمن تراه معطلاً لعملنا كسلطة منتخبة، حتى من بين قيادات حركة فتح التي كنت تنتمي إليها، كما أشهد لك يا أبا منير أنك كنت محباً للمقاومة وداعماً لها، وكنت غير مكترث بما لحق بك من أضرار جراء تحركات رجالاتها في بعض الممتلكات الخاصة بك والقريبة من الحدود، وكنت تعتبر ذلك سهمك في هذا الجهاد، وجزءاً من مساهمتك في مشروع تحرير فلسطين.

    رحمك الله يا أبا منير، وأسكنك فسيح جناته، لقد كنت لنا نِعمَ الأخ المعين، ونِعمَ الصديق الوفي الأمين.

    لقد أكرمك الله (عزَّ وجلَّ) بأكثر من ولدٍّ صالح يدعو لك، وقدّر لك أن تقدم أكثر من صدقة جارية لن ينقطع أجرها عنك.

    طبت حياً، وطبت ميتاً، يا خير الرجال

    يا أبا منير… ما مات من ترك المآثر بعده.

    LEAVE A REPLY

    Please enter your comment!
    Please enter your name here