أوراق موقف”1″ التفاهمات المتوقعة.. بين مثلث السياسة والأمن والاقتصاد.

0
742

تقدير موقف   |   22  يناير 2020

التفاهمات المتوقعة.. بين مثلث السياسة والأمن والاقتصاد

 

 

 

 

 

 

 

 

تعج وسائل الإعلام بالحديث عن تفاهمات تجري بين حركة حماس والاحتلال “الإسرائيلي”، حول هدنة تتضمن جملة من التسهيلات الاقتصادية المقدمة لقطاع غزة، وبين نفي حركة حماس لوجود مثل هذه التفاهمات وتأكيد بعض الأطراف، ينقسم المشهد. وللوقوف على طبيعة وحيثيات الأمر، تناقش هذه الورقة طبيعة التسهيلات الاقتصادية المتوقعة ومدى ارتباطها بالرؤية الأمنية والسياسية لكلا الطرفين.

سياق المشهد السياسي الذي جاء فيه الحديث عن التفاهمات

منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم، وإعلانه عمّا يسمى بـ “صفقة القرن”، اضطرب المشهد، وتداخلت عناصر التأثير فيه، وفي حين تبنت الرؤية الأمريكية لـ “الصفقة” فكرة تولية الطرح الاقتصادي؛ عبر عقد ورشة المنامة، ومحاولة تقديم بعض الإغراءات الاقتصادية للعرب والفلسطينيين، كانت الرؤية “الإسرائيلية” تقوم على النقيض من ذلك، استناداً إلى ضرورة تقديم الشقِّ السياسي، وهو ما تُرجم على أرض الواقع، عبر سلسلة الإجراءات والاعترافات التي قدَّمتها الإدارة الأمريكية لـ “إسرائيل”. وعلى الرغم من كون ذلك يصب في مصلحة “إسرائيل”، إلا أن رفض الفلسطينيين (رسمياً وشعبياً) لـ “الصفقة” أضعف من قدرة الإدارة الأمريكية على التدخل والتأثير المباشر في استكمال مشروع “الصفقة”، وذلك بسبب سياسة المقاطعة التي انتهجتها الإدارة الأمريكية تجاه السلطة الفلسطينية، الأمر الذي فرض عليها استخدام قنوات أخرى غير مباشرة؛ للتأثير في المشهد.

لقد تركت السياسة الأمريكية في تبنيها للرؤية “الإسرائيلية” فراغاً سياسياً، فرض على الدول الأوروبية ملئه، وهو ما عزز من قوة وتأثير رؤيتها المتمثلة في الالتزام بالاتفاقيات الموقعة، وتفعيل مؤسسات السلطة الفلسطينية عبر الانتخابات؛ لشرعنة الدعم الدولي لها، إضافةً إلى ضرورة التوصل إلى تفاهمات بين المقاومة الفلسطينية و”إسرائيل” تُفضي إلى حالة من الاستقرار الأمني، وتعمل على (تخفيف) الحصار المفروض على القطاع.

كما ترافق المشهد مع جملة من التطورات السياسية على الساحة الفلسطينية و”الإسرائيلية”، تمثلت في مسيرات العودة، وحالة الإرهاق والاستنزاف التي صاحبتها؛ على المستوى السياسي والعسكري، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي في المشهد “الإسرائيلي”، نتيجة عدم القدرة على تشكيل الحكومة.

وبالنظر إلى سياسات الدول الإقليمية الأكثر تأثيراً في المشهد الفلسطيني، يمكن القول إن هناك حالة من توزيع الأدوار تجاه التعامل مع قضايا القطاع، ففي حين تتعامل مصر مع القضايا الأمنية بصورة أساسية، ينشط الدور القطري في مجال الدعم الإغاثي والإنساني، كما أن هناك حالة من التوافق على ضرورة تهدئة الأوضاع الأمنية، وربطها بمستوى التسهيلات الاقتصادية المقدمة للقطاع، وهو ما أكده السفير القطري محمد العمادي الذي تمنى “استمرار الهدوء في غزة، لتستطيع قطر والمؤسسات الدولية والأمم المتحدة حل المشاكل الإنسانية في القطاع”[1].

الأمن أولاً..

إن عملية الاستقراء الدقيق للمشهد، تستند بالأساس إلى طبيعة الرؤية الأمنية لكلا الطرفين، إذ يُلحظ مدى تأثير العامل الأمني في سلوك الطرفين تجاه جميع القضايا المتعلقة بالقطاع، وهو ما يمكنه أن يساعد في تفسير طبيعة التوجهات الإسرائيلية نحو التفاهمات والتسهيلات المقترحة.

ففي حين تحدثت بعض التقارير بأن هناك إجماع بين أجهزة الأمن “الإسرائيلية” على إبرام تسوية مع المقاومة في غزة، ومنح تسهيلات اقتصادية لسكان القطاع، إلا أنها أفصحت عن بعض الخلافات بين “الجيش” و”الشاباك” فيما يتعلق بطبيعة التسهيلات المزمع تقديمها. إذ استندت رؤية “الجيش” على إدخال بعض العمال من كبار السن ممن لا يملكون “ماضٍ أمني”، الأمر الذي يساهم  في تحسين الأوضاع المعيشية، ويجلب الأمن لـ “إسرائيل”، إلا أن جهاز “الشاباك” عارض الفكرة، ودعا لعدم “المجازفة”[2].

في المقابل، يُلحظ حالة من الضبابية في السلوك الأمني لفصائل المقاومة الفلسطينية تجاه ما يُطرح من تفاهمات، إذ تستند بعض التقديرات إلى وجود حالة من عدم التوافق بين مختلف الفصائل على؛ حقيقة التفاهمات، وطبيعتها، ومستواها، وهو ما يمكنه أن يُفسر طبيعة السلوك الأمني الميداني لبعض فصائل المقاومة.

ولكن، على الرغم من ذلك، إلا أن مسألة التوصل إلى تفاهمات شاملة، أو هدنة، مرهونة بحل العديد من القضايا المعقدة بين المقاومة الفلسطينية و”إسرائيل”، مثل قضية ضبط السلاح، والأسرى، ورفع الحصار بشكل كامل، وغيرها، الأمر الذي يتطلب موافقة العديد من الأطراف الفلسطينية، إضافة إلى حكومة إسرائيلية قوية، تستطيع اتخاذ مثل هذا القرار، وهو ما يفتقر إليه الطرفين، مما يعزز من كون الأمر مجرد تسهيلات، تستند إلى قناعة إسرائيلية بضرورة “تخفيف” الحصار، استناداً إلى طبيعة التأثير الدولي الداعم لهذه الرؤية، وحالة عدم الاستقرار السياسي داخل “إسرائيل”، إضافةً إلى عدم الرغبة “الإسرائيلية” والفلسطينية، في الدخول في مواجهة عسكرية.

طبيعة التسهيلات الاقتصادية المطروحة وتأثيرها المتوقع

في أواخر نوفمبر من العام المنصرم، وبعد جولة التصعيد التي تبعت اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، وبعد ما حصل من ضبط لمسيرات العودة على الحدود، انتشرت الكثير من الأخبار في الإعلام العبري بأن هناك تسهيلات اقتصادية لسكان القطاع، وأن “الكابينيت الإسرائيلي” يناقش طبيعة هذه التسهيلات المقترحة، لكن الفصائل في غزة نفت ذلك، وقد نفى وكيل وزارة الاقتصاد بغزة رشدي وادي ذلك، وقال أن الوزارة لم تشعر بأي تحسينات أو تسهيلات إسرائيلية لقطاع غزة، وفي أواخر ديسمبر تجدد الحديث عن التسهيلات، خاصةً بعد جولة رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية الأخيرة التي بدأت من مصر ولقائه بالأمين العام للجهاد الإسلامي زياد النخالة، لكن المسؤولين في غزة والواقع على الأرض ينفي وجود أي تفاهمات أو تسهيلات جديدة لقطاع غزة.

لقد طلبت وزارة الاقتصاد في غزة عبر الوسيط الأممي، نائب نيكولاي ملادينوف، مجموعة من الإجراءات منها تسهيل دخول وخروج التجار عبر حاجز بيت حانون، وعملية الاستيراد والتصدير، والبضائع التي يدرجها الاحتلال على قائمة الاستخدام المزدوج، وقد تلقوا وعوداً بزيادة عدد التصاريح الممنوحة للأفراد والتجار، والسماح بإدخال إطارات المركبات وباصات التنقل وقوارب الصيد، وتصدير المنتجات الزراعية، والموافقة على شراء الأسمدة الكيماوية.

إن معظم التسهيلات المقترحة هي نتاج للتفاهمات التي توصلت إليها المقاومة الفلسطينية بوساطة مصر وقطر والأمم المتحدة في أكتوبر2018، والتي كان من المفترض أن تحدث اختراقاً نسبياً في تحسين الواقع الاقتصادي، من خلال عملية التصدير خاصة للمنتجات الزراعية والمنتجات الأخرى، إضافة إلى تصاريح العمل التي سيكون لها مردود مالي جيد على أهل غزة، وإدخال بعض المواد الممنوعة والآلات الصناعية التي ستساهم في تحسين الجانب الصناعي المتضرر بشكل كبير جداً.

بين البروباغندا الإعلامية والواقع

يبدو أن الحديث الذي يدور عن التسهيلات لا يعدو كونه (بروباغندا) إعلامية من الجانب الإسرائيلي، كونه ليس له أي نصيب على أرض الواقع، لكنه مطروح وربما يكون خطاباً مدروساً لجس نبض الشارع الفلسطيني والمستوى السياسي والأمني، خاصةً في ظل هذه الفترة الحساسة التي من الصعب توقع التوصل إلى هدنة طويلة فيها، بسبب تعقيدات المشهد والحالة السياسية المرتبكة في “إسرائيل”، لذلك من المرجح أن يظل الأمر في إطار التصريحات الإعلامية، وبعض التسهيلات التي تم التوافق عليها بعد جولات التصعيد الأخيرة، فيما يتعلق بالكهرباء، والمنحة القطرية، وبعض التسهيلات على المعابر، وربما تسهيلات أخرى بسيطة، كالسماح بدخول بعض المواد “نزيهة الاستعمال”، أو تصدير بعض المنتجات، دون حصول اختراق حقيقي في هذا المجال، ومن المرجح أن تكون مماثلة للتفاهمات الأخيرة خلال جولات التصعيد، كتفاهمات شفوية غير مضمونة، لأن القضية الأساسية التي لن يتم بدونها حصول أي اختراق في الواقع الاقتصادي بغزة، هي قضية سلاح المقاومة، وهي القضية التي قالت حماس أنها غير مطروحة للنقاش أبداً حتى ولو على سبيل احتواء هذا السلاح دون نزعه.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإن جملة التسهيلات المطروحة، لا يمكن تسميتها حقيقة بـالتسهيلات الاقتصادية، كونها تهدف بالأساس إلى ضخ المال فقط، دون رفع الحصار بشكل كامل، أو حتى بناء أسس لاقتصاد حقيقي يمكن من خلاله إعادة بناء الوضع الاقتصادي للقطاع، وجعله مستقلاً، لا تابعاً، بل لا يعدو الأمر –إن نفذ حقيقةً- كونه تنفيساً للوضع المتفاقم وامتصاصاً للغضب حتى لا ينفجر “برميل المتفجرات” في وجه الاحتلال، أي أن الطرف “الإسرائيلي” يحاول أن يجني ثمناً أمنياً وسياسياً مقابل تلك التسهيلات.

[1] أبو عامر، عدنان. “حماس” حذرة إزاء الوعود الإسرائيلية بزيادة تسهيلات غزة. المونيتور. 26نوفمبر2019. تاريخ الدخول: 19يناير2020.

https://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2019/11/hamas-gaza-israel-confrontation-incentives.html

[2] خلاف في الجانب الإسرائيلي يعطّل التسوية بين إسرائيل وقطاع غزة. i24NEWS. 27ديسمبر2019. تاريخ الدخول: 19يناير2020.

https://bit.ly/3alUjG1

 

إعداد : وحدة الدراسات والأبحاثفي معهد بيت الحكمة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here